واصف جوهرية

22

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

والمعلم الملعون يلحقه ويضربه بالخيزرانة ثم بين البنوك وبين التلاميذ وتوفيق ينهزم منه بسرعة فائقة إلى أن دخل المعلم جريس والمعلمة وانتهى الوقت . أما أنا فكانت عيوني على الباب أفكر يا هل ترى هل بإمكاني فتح السقاطة ؟ وأتمكن من الهرب ؟ بالاختصار رجعنا إلى البيت وعرفنا والدي بكل ما حدث فتدخل والدي رسميا بالأمر وكان يود رفع دعوى جزائية عليه فجاء واعتذر بحضور المعلم جريس وبعض أناس آخرين . وأخيرا ذهبنا لبضعة أيام وتركنا المدرسة فانتقلت بواسطة السيد حسين هاشم الحسيني إلى مدرسة خليل السكاكيني كما سيجيء البحث عن هذا الموضوع في حينه من هذا الكتاب . وهكذا كان الظلم والاستبداد في العلم في ذلك الزمن فرحم اللّه جبران خليل جبران إذ قال : قالوا لي : من علمك حرفا كنت له عبدا * لذلك بقيت جاهلا حرا ميلي الفطري للغناء منذ حداثتي كانت هوايتي منذ نشأتي الغناء فكنت أغني ما كنت أسمعه في بيتنا ومن الجيران وكان الفضل الأكبر لتشجيعي هو والدي رحمه اللّه لأنه كان محبا للفنون الجميلة كما سأذكر عنه في حينه من هذا الكتاب . فما كان أحد فنانين الأقطار العربية يزور القدس إلا تعارف من الوالد وقضى الليالي معاه وكان أول من اقتنى آلة العود في بيته ونزل العواد الشهير المعروف بالقفطانجي المصري ضيفا عنده لمدة . كنت أغني وأنا على السطح وكثيرا في بيت الخلاء [ أي المرحاض ] ومع أولاد الجيران الأغاني مثل ع " الروزنة كل الهوى فيها " و " ع الهاني . " ع الهاني الهاني الهاني باللّه ارحموا حالي ، فأجد إقبالا من المعارف والجيران الذين وافقوا على نعومة صوتي وحنوه وكنت أسمع بشغف زائد عندما تكون سهرة عند الجيران وأخيرا أذكر أن في مساء عيد والدي أي عيد القديس جورجيوس ، في 3 تشرين ثاني من السنة وربما كان عمري لم يتجاوز الست سنوات جاءت فرقة أولاد أبو السباع المشهورة آنذاك بالقدس ومعها العواد المشهور أبو خليل ( وكان ساكنا مقابل دار الجوهرية المذكورة وكنت أنا وإخوتي نستمع إلى عزف عوده من شباك الدار ) فعزف أبو خليل العود بمصاحبة القانونجي عبد اللّه أبو السباع الموجود حاليا ومطربا في يافا « 1 » وكان ضابط الإيقاع عمر أبو السباع ( والجدير بالذكر أن عمر هذا كان يلبس جاكيت الريدنكوت المعطى له ربما من أحد أعيان القدس فوق القنباز ) فتشوقت جدا للعزف في تلك السهرة ولأجل الصدف كان والدي قد عمل غطاء لخزانة الفحم في المطبخ تشبه القانون لأجل أن تكون تحت الدرج المؤدي إلى غرفة الخزين فذهبت حالا وأحضرت هذه اللوحة ووضعتها على ركبتي أمام فرقة أولاد أبو السباع الأمر الذي لفت أنظارهم بوجه خاص وبعد أن تحدثوا مع والدي طلب والدي مني أن أغني وهكذا غنيت ع الروزنه وهم يعزفون ذات الأغنية على آلاتهم وأظهروا

--> ( 1 ) " حاليا في يافا " - يلاحظ القارئ أن زمن الكتابة غير مذكور . يبدو أن هذا القسم من المذكرات كتب في الأربعينات ( المحرر )